القرطبي

223

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بأولياء الله ! فقال جبريل : هم من الساعة إلى صلاة العصر عندك ، وبعد صلاة العصر في الجنة . فلما قال له ذلك ، أوجس في نفس موسى وخطر أن ما يدريني ما علم الله في ، فلعلي أكون الآن في حالة ، وعلم الله في علي خلافها كما كان هؤلاء . فلما علم الله ما في قلبه أوحى الله إليه " لا تخف إنك أنت الاعلى " أي الغالب لهم في الدنيا ، وفي الدرجات العلا في الجنة ، للنبوة والاصطفاء الذي أتاك الله به . وأصل " خيفة " خوفة فانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء . قوله تعالى : ( وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ) ( 1 ) ولم يقل وألق عصاك ، فجائز أن يكون تصغيرا لها ، أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم ، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك ، فإنه بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها ، وصغره وعظمها . وجائز أن يكون تعظيما لها أي لا تحفل بهذه الأجرام الكثيرة الكبيرة فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها ، وهذه على كثرتها أقل شئ وأنزره عندها ، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها . و " تلقف " بالجزم جواب الامر ، كأنه قال : إن تلقه تتلقف ، أي تأخذ وتبتلع . وقرأ السلمي وحفص : " تلقف " ساكنة اللام من لقف يلقف لقفا . وقرأ ابن ذكوان وأبو حياة الشامي ويحيى بن الحرث " تلقف " بحذف التاء ورفع الفاء ، على معنى فإنها تتلقف . والخطاب لموسى . وقيل : للعصا . واللقف الاخذ بسرعة ، يقال : لقفت الشئ " بالكسر " ألقفه لقفا ، وتلقفته أيضا أي تناولته بسرعة . عن يعقوب : يقال رجل لقف ثقف أي خفيف حاذق . واللقف " بالتحريك " سقوط الحائط . ولقد لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع . وتلقف وتلقم وتلهم بمعنى . وقد مضى في ( الأعراف ) ( 2 ) . لقمت اللقمة " بالكسر " لقما ، وتلقمتها إذا ابتلعتها في مهلة . وكذلك لهمه " بالكسر " إذا ابتلعه . " ما صنعوا " أي الذي صنعوه . وكذا ( إنما صنعوا ) أي إن الذي صنعوه " كيد " بالرفع " سحر " بكسر السين وإسكان الحاء ، وهي قراءة الكوفيين إلا عاصما . وفيه وجهان : أحدهما - أن يكون الكيد مضافا إلى السحر

--> ( 1 ) تلقف بالتشديد قراءة ( نافع ) . ( 2 ) راجع ج 7 ص 257 فما بعد .